سليمان الدخيل
145
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
هذه المناقشة كان الخليفة يتلطف ويقول للإمام أحمد أجبنى إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي ومن يطأ بساطى ، ولكن الإمام أصر على وجه نظره ، واحتج على مناظريه حين أنكروا الآثار بقوله يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً سورة مريم الأية 42 ، وبقوله تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً سورة النساء الأية 164 ونحو ذلك من الآيات البينات ، فلما لم يقم لهم معه حجة طلبوا من الخليفة عقابه ، فضرب بالسوط ، على أن المعتصم ندم على ضربه ، وأرسل إليه طبيبا في منزله لعلاجه ، وجعل يسأل النائب عنه ، والنائب يستعلم خبره ، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك « 1 » . بلغ من اهتمام المعتصم بحمل الناس على القول بخلق القرآن . أن أمر عماله بتعليم الصبيان ما ذهب إليه . وعزل كل من يلي وظيفة يقول بغير مقالته . ولما ولى الواثق الخلافة سار على سياسة أبيه في حمل الناس على القول بخلق القرآن . ظل الناس في بغداد وفي سائر الدولة العباسية يحملون على القول بخلق القرآن حتى ولى المتوكل الخلافة فعارض مذهب المعتزلة . وأمر بوقف الكلام والمناقشات في موضوع خلق القرآن ، وفي آراء المعتزلة وأقوالهم أيضا ، وبذلك انتهى ما أسماه المؤرخون المسلمون محنة القرآن . العلوم الأدبية : لما تأسست بغداد أقبل عليها العلماء والأدباء خصوصا من البصرة والكوفة ، وأقاموا بها . وحظوا بتشجيع الخلفاء وكبار رجال الدولة ، وساهموا بنصيب كبير في ازدهار الحياة الأدبية في بغداد ، ومن أشهر أدباء بغداد ، الأصمعي الذي نشأ بالبصرة ، وتتلمذ على علمائها واستفاد منهم ، ثم إلى البادية ، وحفظ الكثير من أقوال العرب ونوادرهم وأشعارهم « ورحل إلى بغداد . حيث استقر به المقام هناك ، ونال شهرة كبيرة لمقدرته الفائقة على شغل أوقات الخلفاء وكبار رجال الدولة بالمسامرات الشيقة ، واتصل بالرشيد ونادمه ، وأخذ الكثير من الأدباء عنه
--> ( 1 ) ابن كثير : البداية والنهاية ج 1 ص 341 - 342 .